وصايا في شهر رمضان       من بركات شهر رمضان       خطورة التشكيك فيما ثبت من أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم       نصائح لنشر دعوة التوحيد في خطبة الجمعة       تصاميم إسلامية دعوية       الحج ... منظومة قيم       بيان منظمة النصرة العالمية حول أحداث الإساءة للنبي محمد صلى الله عليه وسلم       العيد...فرح أم مواجع وآلالام؟!....       إهداء موقع الدلالة على الخير لشهر رمضان       أفضل الأعمال في رمضان    

     القائمة الرئيسية

  • صفحة البداية
  • أقسام المواضيع
  • الـتسجيل
  • ارشيف المواضيع
  • دليل المواقع
  • سجل الزوار
  • إضافة توقيع
  • راسلنا
  • الاعضاء
  • إضافة موضوع
  •  
     

         محرك البحث



    بحث متقدم
     
     

         اقسام المواضيع

  • المواضيع المصورة ( مجلة الرسالة )
  • الإنترنت ياخير أمة
  • مواضيع منوعة
  • الباقات الرمضانية
  • مواضيع الحج
  • رسائل لاصحاب المواقع
  • مفكرة طلاب العلم
  • أفكار دعويه
  • غراس الخير
  •  
     

    أهم المواضيع

  • وصايا في شهر رمضان
  • خطورة التشكيك فيما ثبت من أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم
  • نصائح لنشر دعوة التوحيد في خطبة الجمعة
  • تصاميم إسلامية دعوية
  • الحج ... منظومة قيم
  • بيان منظمة النصرة العالمية حول أحداث الإساءة للنبي محمد صلى الله عليه وسلم
  • العيد...فرح أم مواجع وآلالام؟!....
  • إهداء موقع الدلالة على الخير لشهر رمضان
  • أفضل الأعمال في رمضان
  • كيف نستقبل ونعيش رمضان
  • رمضان بلا مسلسلات
  • جوانب التغيير في رمضان
  • حكم تمثيل الصحابة
  • أبا العشر الأواخر
  • الباقات الرمضانية
  • وأين ضياء الشمس من نوره!؟..
  • الصدقة الخفية في مكة المكرمة
  • هل نحن بحاجة للتثقيف الجنسي؟
  • مادونا في أبو ظبي!
  • رسالتي إلى قوم من أمة القرآن


  •      إحصائيات

    عدد الاعضاء: 159
    مشاركات المواضيع: 422
    مشاركات التوقيعات: 14
    مشاركات المواقع: 50
    مشاركات الردود: 262

     
     

         المتواجدون حالياً

    المتواجدون حالياً :4
    من الضيوف : 4
    من الاعضاء : 0
    عدد الزيارات : 5006571
    عدد الزيارات اليوم : 2224
    أكثر عدد زيارات كان : 31539
    في تاريخ : 29 /04 /2016

     
     



    الدلالة على الخير |الدال على الخير كفاعلة » المواضيع » مفكرة طلاب العلم


     علو الهمة في طلب العلم
     

    دببت للمجد والساعون قد بلغــوا            جهد النفوس وألقــــــــوا دونه الأزرا
    وكابدوا المجد حتى ملَّ أكثرهم            وعانق المجد من أوفى ومن صبرا
    لا تحسب المجد تمرًا أنت آكـــله            لن تبلغ المجـــــــد حتى تلعق الصبرا


    أيها المتفقه ..
    لابد لكل سالك إلى الله من همَّة تسيِّره وترقيه ، ومن علم يبصره ويهديه ، والهمَّة في مدلولها ومعناها تعني توجه القلب وقصده ، وأصحاب الهمم العالية من راموا بكليتهم سبيل الحق ، فعكفت قلوبهم على الله ، وجمعوا همتهم عليه ، وفرَّغُوا القلب لمحبته ، والإنابة إليه ، والتوكل عليه ، والاشتغال بمرضاته ، دون كل ما فيه تفريق للقلب وتشتيت له .
    يقول ابن القيم :
    " وعلو الهمة أن لا تقف دون الله ، ولا تتعوَّض عنه بشيء سواه ، ولا ترضى بغيره بدلا منه ، ولا تبيع حظها من الله وقربه ، والأنس به ، والفرح والسرور والابتهاج به ، بشيء من الحظوظ الخسيسة الفانية ، فالهمة العالية على الهمم كالطائر العالي على الطيور، لا يرضى بمساقطهم ، ولا تصل إليه الآفات التي تصل إليهم فإنَّ الهمة كلما علت بعدت عن وصول الآفات إليها ، وكلما نزلت قصدتها الآفات من كل مكان ، فإنَّ الآفات قواطع وجواذب ، وهي لا تعلو إلى المكان العالي فتجتذب منه ، وإنَّما تجتذب من المكان السافل ، فعلو همة المرء عنوان فلاحه ، وسفول همته عنوان حرمانه " .
    وأنت ـ أيها المتفقه ـ لابد لك من التعالي عن سفاسف الأمور ، وأخذ الأهبة ، والتحلي بإرادة لا يفلها الحديد ، فأنت مقدم على أمر عظيم حاله ، خطير شأنه ، أنت مقدم لوراثة الأنبياء ، والارتقاء لمراتب الأولياء الأصفياء ، فلا يصلح لصاحب هذه المنزلة أنْ يحوم حول حطام الدنيا الزائف ، ويجول قلبه في خيالات المحال والبهتان ، فلا تزال أمواج الأماني الكاذبة والخيالات الباطلة تتلاعب به كما تتلاعب الكلاب بالجيفة ، فهذه بضاعة كل نفس مهينة خسيسة سفلية ، ليست لها همَّة تنال بها الحقائق .
    فأصحاب الهمم السفلية تراهم يتكالبون على الحظوظ الفانية ، من الجاه والسلطان، وحب الرياسة ، والتطواف في البلدان لجمع الأموال والأثمان ، أو الظفر بامرأة ، ويظل مشغول القلب بأمانيه الزائفة ، وتراه حائمًا في الأرض حيران يتمثل صورة مطلوبة في نفسه ، وقد التذ بالظفر بها ، فبينما هو على هذه الحال إذ استيقظ فإذا يده والحصير .
    أما أصحاب الهمم العالية فيخبرك ابن القيم بحالهم يقول : وصاحب الهمة العالية أمانيه حائمة حول العلم والإيمان ، والعمل الذي يقربه إلى الله ، ويدنيه من  جواره ، فأماني هذا إيمان ونور وحكمة ، وأماني أولئك خدع وغرور .
    أيها المتفقه ..
    العلم صناعة القلب وشغلُه ، فما لم تتفرغ لصناعته ، وشغلهِ لم تنله ، والقلب له وجهة واحدة ، فإذا وُجِّهَتْ إلى اللذات والشهوات ، انصرفت عن العلم ، ومن لم يُغَلِّب لذة إدراك العلم وشهوته على لذة جسمه وشهوة نفسه : لم ينل درجة العلم أبداً ، فإذا صارت شهوته في العلم ولذته في  إدراكه فإنَّه يُرجى له أن يكون من جملة أهله .
    علامات الهمة العالية
    ولعلو الهمَّة علامات ، فنقِّب عنها في نفسك ، وتحلَّ بها تفز بمرادك ، فأول ذلك :
    1) طلب المعالي من الأمور .
    يقول ابن الجوزي : " غير أنَّ للطالب المرزوق علامة ، وهو أن يكون مرزوقاً علو الهمة ، وهذه الهمة تولد مع الطفل ، فتراه من زمن طفولته يطلب معالي الأمور ، كما يروى أنه كان لعبد المطلب مفرش في الحِجر ،  فكان النَّبي صلى الله عليه وسلم  يأتي وهو طفل فيجلس عليه ، فيقول عبد المطلب : إن لابني هذا شأناً.
    فلابد لك من أنفة من كل خسيس تافه ، تبرأ بنفسك أنْ تخوض فيه ككل ناعق ، ترى الأمور على حقائقها ، فكل ما كان لله يعلق قلبك به ، فلا تنظر لأدنى بل اربط قلبك بسبب إلى السماء ، لا ترضى بالدونية .
    قال صلى الله عليه وسلم : " إنَّ الله تعالى جميل يحب الجمال ، و يحب معالي الأخلاق ، و يكره سفسافها "  ‌
    2) ومن علامات الهمة العالية " الحرص " فاحرص على الطلب فإنَّه من أعظم القُرب .
    قال صلى الله عليه وسلم : " احرص على ما ينفعك " 
    وأعظم ما تحرص عليه وتجود بنفسك لأجله : " طلب العلم " ، والحرص أمارة تعظيم القلب ، ولذلك  أنصحك باستفراغ الوسع في " طلب العلم " .
    قال الإمام النووي في وصيته لطالب العلم : " ينبغي أن يكون حريصًا على    التعلم ، مواظبًا عليه في جميع أوقاته ، ليلاً ونهارًأ ، وسفرًا وحضرًا ، ولا يذهب من أوقاته شيئًا في غير العلم إلا بقدر الضرورة لأكل ونوم قدرًا لابد له منه ونحوهما ، كاستراحة يسيرة لإزالة الملل ، وشبه ذلك من الضروريات ، وليس بعاقل من أمكنه درجة ورثة الأنبياء ثمَّ فوتها " 
    وسأضرب لك الأمثال ؛ لتستنفر همتك فتعلو من حضيض الدنايا الدنيوية ، إلى قمم المنن الإلهية ، فقد كان سلفنا ـ رحمهم الله  ـ يحرصون على العلم وجمعه حرصاً ليس له نظير.
    قال ابن أبى حاتم : سمعت المزني يقول : قيل للشافعي كيف شهوتك للعلم ؟
    قال : أسمع بالحرف ـ أي بالكلمة ـ مما لم أسمعه ، فتود أعضائي أن لها سمعًا تتنعم به ، مثل ما تنعمت به الأذنان.
    فقيل له : كيف حرصك عليه ؟  قال : حرص الجموع المنوع في بلوغ لذته للمال .
    فقيل له : فكيف طلبك له ؟  قال : طلب المرأة المضلة ولدَها ليس لها غيره.
    وقد كان ابن عباس ـ رضي الله عنه ـ يأتي أبواب الصحابة في حرِّ الظهيرة يسألهم عن الحديث.
    فروى الخطيب البغدادى وابن عبد البر عن ابن عباس ـ رضي الله عنه ـ أنه قال :  " إن كان ليبلغني الحديث عن الرجل فآتى بابه ، وهو قائل ، فأتوسد ردائي على بابه ، تسفي الريح علىَّ من التراب ، فيخرج فيقول : يا ابن عم رسول الله ما جاء بك ؟!!  ألا أرسلت إلىَّ فآتيك ؟ فأقول : أنا أحق أن آتيك ، فأسأله عن الحديث " .
    وهذا ابن معين ـ رحمه الله تعالى ـ  خلف له أبوه ألف ألف درهم ، فأنفقها كلها على تحصيل الحديث  حتى لم يبق له نعل يلبسه ، وكان حريصاً على لقاء الشيوخ والسماع منهم خشية أن يفوتوه..
    قال عبد بن حميد : سألني  يحيى بن معين عن حديث أوَّلَ ما جلس إليَّ ، فقلت : حدثنا حماد بن سلمة. فقال لو كان من كتابك ، فقمت لأخرج كتابي ، فقبض على ثوبي ، ثم  قال : أمله عليَّ ، فإنَّي أخاف أن لا ألقاك ، فأمليته عليه ، ثمَّ أخرجت كتابي فقرأته عليه .
    ومن أئمة التابعين مكحول الشامي (ت 112 هـ) ـ رحمه الله ـ يقول : أعتقت بمصر فلم أدع بها علمًا إلا حويته فيما أرى ، ثم أتيت العراق ، ثمَّ المدينة فلم أدع بهما علمًا إلا حويته فيما أرى ، ثم أتيت الشام فغربلتها.
    يا سبحان الله ، انظر إلى علو الهمة ، والطواف بالبلاد والتجوال ، وجمع العلم  وإحرازه ، ويا لعجبي من " فغربلتها " ‍‍‍!!
    وقد بلغ حرصهم على الطلب أنَّ أحدهم  كان ينزل به الهم والحزن ، ويصيبه المرض ، إذا فاته شيء من العلم .
    فقد ذكروا حديثًا لشعبة لم يسمعه ، فجعل يقول : " واحزناه !! " وكان يقول : إنِّي لأذكر الحديث يفوتني فأمرض .
    فما يحزن القلب إلا إذا فاته عظيم عنده ، محبوب لديه ، لمَّا جاء إخوة يوسف ليأخذوه ليلعب قال أبوهم : " إنِّي ليحزنني أن تذهبوا به " [ يوسف / 13 ] فكذلك كل محبوب يحزن القلب لفراقه ، فإذا فاتك من العلم شيء فلم تحزن لفواته فاتَّهم    نيتك ، واعلم أنَّ بالقلب من العلائق ما قد حال بينك وبين أبواب العلم .
    أيها المتفقه :
    أين حرصك على طلب العلم ، وصبرك على تحصيله ، وإن كلفك ذلك الغالي والنفيس ، أين تبكيرك لمجالس العلم ؟ تالله إنَّك ترى من يبكر لحضور درس قبل وقته بساعة أو ساعتين يظل يراشقك بنظراته ممتنًا عليك أنَّه أتى مبكرًا لحضور الدرس ، وما كان هذا حال سلفنا .
    هذا جعفر بن درستويه يقول : كنا نأخذ المجلس في مجلس عليّ بن المديني وقت العصر ، اليوم لمجلس غدٍ ، فنقعد طول الليل ، مخافة أن لا نلحق من الغد موضعًا نسمع فيه .
    3) ومن علامات علو الهمة : بذل الغالي والنفيس .
    أيها المتفقه ..
    من خطب الحسناء لم يُغله المهر ، وأنت ـ تالله ـ طالب لنعيم الدنيا والآخرة فلا تكلَّ ولا تملَّ فدونك رياحين الجنَّة ، " من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهَّل الله له طريقًا إلى الجنَّة "
    يقول ابن الجوزى  : " تأملت عجباً ، وهو أن كل شيء نفيس خطير يطول طريقه ، ويكثر التعب في تحصيله، فإنَّ العلم لما كان أشرف الأشياء لم يحصل إلا بالتعب والسهر والتكرار ، وهجر اللذات والراحة ، حتى قال بعض الفقهاء : بقيت سنين أشتهي الهريسة ولا أقدر ، لأنَّ وقت بيعها وقت سماع الدرس...".أهـ
    ولذلك قال ابن القيم ـ رحمه الله تعالى ـ : " وأما سعادة العلم فلا يورثك إياها إلا بذل الوسع ، وصدق الطلب ، وصحة النية "
    فالمكارم منوطة بالمكاره ، والسعادة لا يعبر إليها إلا على جسر المشقة ، ولا تقطع مسافتها إلا في سفينة الجد والاجتهاد .
    قال مسلم في صحيحه: قال يحيى بن كثير : " لا ينال العلم براحة الجسم " .
    وقد قيل : من طلب الراحة ترك الراحة .
    يقول الشافعي ـ رحمه الله تعالى ـ : " حق على طلبة العلم بلوغ غاية جهدهم في الاستكثار منه ، والصبر على كل عارض دون طلبه ، وإخلاص النية لله تعالى في إدراكه نصاً واستنباطاً ، والرغبة إلى الله تعالى في العون عليه ".
    أيها المتفقه ..
    اعلم أنَّ علوم الإسلام العظيمة لم تُدَوَّن على ضفاف الأنهار ، وتحت ظلال الأشجار والأثمار ، وإنما دونت باللحم والدم ، وظمأ الهواجر ، وسهر الليالي على السراج الذي لا يكاد يضيء نفسه ، وفي ظل العرى والجوع وبيع الثياب ، وانقطاع النفقة في بلد الاغتراب ، والرحلة المتواصلة الملاحقة ، والمشاق الناصبة المتعانقة ، والصبر على أهوال الأسفار ، وملاقاة الخطوب والأخطار ، والتيه في البيد ، والغرق في البحار ، ولفقد الكتب العزيزة الغالية والأسفار ، وحلول الأمراض والأسقام ، مع البعد عن الأهل والزوجة والأولاد والدار ، ومع فرقة الأقارب والأحباب والأصحاب وفقد الاستقرار ، فما أثر كل ذلك في أمانة علم أهلها ، وما نقص من متانة دينهم ، وما وهن من قوة شكيمتهم ، وما خضعتهم الضائقة الخانقة مع قوتها  إلى قبول الذل والهوان .
    علو همَّة السلف في الرحلة في طلب العلم
    ومن تمثل سير سلفنا الصالح ، ونظر في معاناتهم في طلب العلم هانت عليه كل شدة ، واحتقر نفسه أمامهم ، فقد كابدوا من الصعاب ما يفوق التخيل ، وتركوا البلاد والأولاد وهجروا اللذات والشهوات ، وجابوا مشارق الأرض ومغاربها سعيًا وراء حديث واحد ، أو لقاء شيخ أو معرفة مسألة ، وأنت        ـ اليوم ـ تجزع من قراءة ساعة ، وتتكاسل عن سبر صفحات قليلة ، وتتوافر لك سبل المعرفة فما تمد لها يدًا ، فحالك ـ تالله ـ حال عجيبة ، فانظر إلى هؤلاء الأفذاذ كيف طلبوا العلم عساك تنتفع بذلك .
    قيل للإمام أحمد : رجلٌ يطلب العلم يلزم رجلاً عنده علم كثير أو يرحل ؟
    قال : يرحلُ ، يكتب عن علماء الأمصار ، فيشامُّ النَّاس ، ويتعلم منهم .
    وقيل له مرةً : أيرحلُ الرجل في طلب العلم ؟
    فقال : بلى والله شديدًا ، لقد كان علقمة بن قيس النخعي ، والأسود بن يزيد النخعي ، ـ وهما من أهل الكوفة بالعراق ـ يبلغهما الحديث عن عمر فلا يقنعهما حتى يخرجا إليه ـ إلى المدينة المنورة ـ فيسمعانه منه "
    قال ابن خلدون في المقدمة : " إنَّ الرحلة في طلب العلوم ولقاء المشيخة : مزيد كمال في التعليم ، والسبب في ذلك أنَّ البشر يأخذون معارفهم وأخلاقهم وما يتحلون به من المذاهب والفضائل ، تارة : علمًا وتعليمًا ولقاءً . وتارةً : محاكاة وتلقينًا بالمباشرة . إلا أنَّ حصول الملكات عن المباشرة والتلقين ، أشدُّ استحكامًا وأقوى رسوخًا ، فعلى قدر كثرة الشيوخ يكون حصول الملكات ورسوخها ـ وتفتحها ـ
    والاصطلاحات أيضًا في تعليم العلوم مخلِّطة على المتعلم ، حتى لقد يظنُّ كثير منهم أنَّها جزء من العلم ، ولا يدفع عنه ذلك إلا مباشرته لاختلاف الطرق فيها من المعلمين .
    فلقاء أهل العلوم ، وتعدد المشايخ : يُفيده تمييز الاصطلاحات بما يراه من اختلاف طرقهم فيها ، فيُجرِّد العلم عنها ، ويعلم أنَّها أنحاء تعليم وطرق توصيل ، وتنهض قواه إلى الرسوخ والاستحكام في الملكات ، ويصحح معارفه ويميزها عن سواها ، مع تقوية ملكته بالمباشرة والتلقين ، وكثرتهما من المشيخة عند تعددهم وتنوعهم ، وهذا لمن يسَّر الله عليه طرق العلم والهداية .
    فالرحلة لابد منها في طلب العلم ، لاكتساب الفوائد والكمال ، بلقاء المشايخ ومباشرة الرجال ، " والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم " [ البقرة / 213 ] 
    أيها المتفقه ..
    شأن الرحلة قديم تليد ، بداية من رحلة نبي الله موسى الكليم عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والتسليم ، وقد قصَّ الله خبر رحلته في القرآن الكريم ، مع عبده الخضر وما كان في رحلته من العوائق والغرائب ، فبقيت الرحلة سنة نبوية وشعار طلبة العلم إلى يوم الدين .
    وهؤلاء صحابة الرسول منهم من قطع مئات الأميال ليلقاه ويتثبت من صدق  نبوته ، ومنهم من سافر إليه من البلاد البعيدة ليسأله عن مسألة وقعت له .
    فهذا عقبة بن الحارث سافر من مكة إلى المدينة ليلقى رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأله عن مسألة رضاع وقعت له .
    فعن عقبة بن الحارث أنه تزوج ابنة لأبي إهاب بن عزيز، فأتته امرأة فقالت: إني قد أرضعت عقبة والتي تزوج .
    فقال لها عقبة: ما أعلم أنك أرضعتني، ولا أخبرتني، فركب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة فسأله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " كيف وقد قيل ؟! " ففارقها عقبة، ونكحت زوجا غيره .
    وهذا جابر بن عبد الله ـ رضي الله عنه ـ رحل مسيرة شهر إلى عبد الله بن أنيس في حديث واحد .
    روى البخاري في الأدب المفرد أن جابر بن عبد الله قال :  بلغني حديث عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، فابتعت بعيرًا ، فشددت إليه رحلي شهرًا ، حتى قدمت الشام ، فإذا عبد الله بن أنيس ، فبعثت إليه أنَّ جابرًا بالباب فرجع الرسول فقال : جابر بن عبد الله !! فقلت : نعم .
    فخرج فاعتنقني ، قلت : حديث بلغني لم أسمعه خشيت أن أموت أو تموت …. فذكر الحديث "
    ومن نوادر الرحلات
    ما صنعه هذا الإمام العظيم الحافظ أبو عبد الرحمن بقي بن مخلد الأندلسي ـ رحمه الله ـ (ت 276 هـ)  فقد نقل بعض العلماء من كتاب حفيده قوله :  سمعت أبي يقول : رحل أبي من مكة إلى بغداد ، وكان رجلا بغيته ملاقاة أحمد بن  حنبل .
    قال : فلما قربت بلغتني المحنة ، وأنه ممنوع ، فاغتممت غمًا شديدًا ، فاحتللت بغداد ، واكتريت بيتًا في فندق ، ثم أتيت الجامع ، وأنا أريد أن أجلس إلى الناس ، فدفعت إلى حلقة نبيلة ، فإذا برجل يتكلم في الرجال ، فقيل لي : هذا يحيى بن معين ، ففرجت لي فرجة ، فقمت إليه ، فقلت : يا أبا زكريا ـ رحمك الله ـ رجل غريب ، ناء عن وطنه ، أردت السؤال فلا تستخفني .
    فقال : قل . فسألت عن بعض من لقيته فبعضًا زكى ، وبعضًا جرح ، فسألته عن هشام بن عمار ، فقال لي أبو الوليد : صاحب صلاة دمشق ثقة وفوق الثقة ، لو كان تحت ردائه كبر أو متقلدًا كبرًا ما ضره شيئًا لخيره وفضله .
    فصاح أصحاب الحلقة : يكفيك ـ رحمك الله ـ غيرك له سؤال .
    فقلت : ـ وأنا واقف على قدم اكشف عن رجل واحد ـ أحمد بن حنبل ‍‍‍‍‍‍‍.
    فنظر إليَّ كالمتعجب فقال لي : ومثلنا نحن نكشف عن أحمد ، ذاك إمام المسلمين وخيرهم وفاضلهم .
    فخرجت أستدل على منزل أحمد بن حنبل ، فدللت عليه ، فقرعت بابه فخرج إليَّ فقلت : يا أبا عبد الله ، رجل غريب ، نائي الدار ، هذا أول دخولي هذا البلد ، وأنا طالب حديث ، ومقيد سنة ، ولم تكن رحلتي إلا إليك .
    فقال : ادخُل الأسطوان ـ يعني به الممر إلى داخل الدار ـ ولا يقع عليك عين . فدخلت فقال لي : وأين موضعك ؟! قلت : المغرب الأقصى . فقال لي : إفريقية ؟‍‍ قلت : أبعد من إفريقية ، أجوز من بلدي البحر إلى إفريقية بلدي الأندلس .
    قال : إن موضعك لبعيد ، وما كان شيءٌ أحب إليَّ من أن أحسن عون مثلك على مطلبه ، غير أنِّي في حيني هذا ممتحن بما لعله قد بلغك .
    فقلت : بلى قد بلغني ، وأنا قريب من بلدك ، مقبل نحوك .
    فقلت له : يا أبا عبد الله ، هذا أول دخولي ، وأنا مجهول العين عندكم ، فان أذنت لي أن آتي كل يوم زي السؤال ، فأقول عند الباب ما يقولونه ، فتخرج إلى هذا الموضع ، فلو لم تحدثني في كل يوم إلا بحديث واحد لكان لي فيه كفاية .
    فقال لي : نعم على شرط أن لا تظهر في الحِلق ، ولا عند المحدثين .
    فقلت : لك شرطك .
    فكنت آخذ عصا بيدي ، وألف رأسي بخرقة مدنسة ، وأجعل كاغدي ـ أي    ورقي ـ ودواتي في كمي ، ثمَّ آتي بابه ، فأصيح : الأجر ـ رحمك الله ـ والسؤال هناك كذلك ، فيخرج إلي ويُغلق باب الدار ، ويحدثني بالحديثين والثلاثة والأكثر ، فالتزمت ذلك حتى مات الممتحن له ، وولي بعده من كان على مذهب السنة ، فظهر أحمد ، وعلت إمامته ، وكانت تضرب إليه آباط الإبل ، فكان يعرف لي حق صبري ، فكنت إذا أتيت حلقته فسح لي ، ويقص على أصحاب الحديث قصتي معه ، فكان يناولني الحديث مناولة ، ويقرؤه عليَّ ، وأقرؤه    عليه . 
    فهذا خبر من أعجب ما تقرأ ، فهذا العالم الأندلسي رحل من أقصى الغرب إلى أقصى الشرق على قدميه ليلقى الإمام أحمد ، فلما وجده محبوسًا ممنوعًا عن الناس تلطف وتحيَّل حتى لقيه ، فأخذ العلم عنه ، وحفظ له الإمام أحمد صبره في الطلب وقربه منه .
    ومن أخبار الرحَّالة المشائين للطلب
    ما ذكره أصحاب التراجم والسير عن فحل ضرغام ، إمام همام ، أعني  أبا حاتم محمد بن إدريس الرازي (ت 277 هـ) يقول : أحصيت ما مشيت على قدميَّ زيادة على ألف فرسخ  ، لم أزل أحصي حتى لما زاد على ألف فرسخ تركته ، وأما ما سرت أنا من الكوفة إلى بغداد فما لا أحصي كم مرة ، ومن مكة إلى المدينة مرات كثيرة ، وخرجت من البحر من قرب مدينة سلا ـ وذلك في المغرب الأقصى ـ إلى مصر ماشيًا ، ومن مصر إلى الرملة ماشيًا ، ومن الرملة إلى بيت المقدس ، ومن الرملة إلى عسقلان ، ومن الرملة إلى طبرية ، ومن طبرية إلى دمشق ، ومن دمشق إلى حمص ، ومن حمص إلى إنطاكية ، ومن إنطاكية إلى طرسوس ، ثمَّ رجعت من طرسوس إلى حمص ، وكان بَقِي عليَّ شيء من حديث أبي اليمان فسمعته ، ثمَّ خرجت من حمص إلى بيسان ، ومن بيسان إلى الرقة ، ومن الرقة ركبت الفرات إلى بغداد ، وخرجت قبل خروجي إلى الشام من واسط إلى النيل ، ومن النيل إلى الكوفي ، كل ذلك ماشيًا ، هذا سفري الأول وأنا ابن عشرين سنة ، أجول سبع سنين ، وخرجت المرة الثانية ـ وكان سني في  هذه الرحلة  47 سنة ـ . 
    فانظر لحال ذلك الرجل العجيب ، كم قطع من المسافات مشيًا على الأقدام ، وانظر لحال خروجه في سن السابعة والأربعين ، لتعلم أنَّ العلم لا يتوقف على سن ، بل العلم يطلب من المهد إلى اللحد .
    ومثيله هذا الحافظ الجوال ابن منده (ت 395هـ ) بدأ الرحلة في طلب العلم وهو ابن عشرين سنة ، ورجع وهو ابن خمس وستين سنة ، ولما عاد إلى وطنه تزوج ـ وهو ابن 65 سنة !! ـ ، ورزق الأولاد ، وحدَّث بالكثير .
    وقد قال ـ رحمه الله ـ : طفت الشرق والغرب مرتين .
    رحلة الأهوال .
    واسمع عن أبي حاتم الرازي هذا الخبر العجيب ، وانظر إلى أشد ما لاقيت من نصب في تحصيل ، وقارن بين حالك هذه وحال أولئك ؛ لتعرف لماذا حازوا إلى الآن قصب السبق مع كثرة الإمكانيات التي أتيحت لنا دونهم .
    قال ـ رحمه الله ـ : " لما خرجنا من المدينة من عند داود الجعفري صرنا إلى الجار وركبنا البحر ، وكنا ثلاثة أنفس : أبو زهير المروزى شيخ ، وآخر نيسابوري ، فركبنا البحر، وكانت الريح في وجوهنا ، فبقينا في البحر ثلاثة أشهر ، وضاقت صدورنا ، وفني ما كان معنا من الزاد ، وبقيت بقية ، فخرجنا إلى البر، فجعلنا نمشي أيامًا على  البر ، حتى فني ما كان معنا من الزاد والماء ، فمشينا يوماً وليلة ، لم يأكل أحد منا شيئاً ، ولا شربنا ، واليوم الثاني  كَمِثْل ، واليوم الثالث كمثل كل  يوم ، نمشى إلى الليل ، فإذا جاء المساء صلينا ، وألقينا بأنفسنا حيث كنا ، وقد ضعفت أبداننا من الجوع والعطش والعياء ، فلما أصبحنا اليوم الثالث جعلنا نمشى على قدر طاقتنا ، فسقط الشيخ مغشياً عليه ، فجئنا نحركه ، وهو لا يعقل فتركناه ، ومشينا أنا وصاحبي النيسابورى قدر فرسخ أو فرسخين فضعفت ، وسقطت مغشياً علىَّ ومضى صاحبي ، وتركني فلم يزل هو يمشي إذ أبصر من بعيد قومًا قد قربوا سفينتهم من البر ، ونزلوا على بئر موسى صلى الله عليه وسلم ، فلما عاينهم لَوَّح بثوبه  إليهم ، فجاؤا معهم الماء في إداوة    فسقوه ، وأخذوا بيده.
    فقال لهم : رفيقين لي قد ألقوا بأنفسهم مغشياً عليهم ، فما شعرت إلا برجل يصب الماء على وجهي ، ففتحت عيني فقلت : اسقني ، فصب من الماء في ركوة أو مشربة شيئاً يسيراً ، وأخذ بيدى ، فقلت : ورائى الشيخ ملقى .
    قال : قد ذهب إلى ذاك جماعة . فأخذ بيدى ، وأنا أمشى أجر رجلي ، ويسقينا شيئاً بعد شيء، حتى إذا بلغتُ إلى عند سفينتهم ، وأتوا برفيقي الثالث الشيخ ، وأحسنوا إلينا أهلُ السفينة فبقينا أياماً حتى رجعت إلينا  أنفسُنا، ثم كتبوا كتابًا إلى مدينة يقال لها راية إلى واليهم ، وزودونا من الكعك والسويق والماء ، فلم نزل نمشى حتى نفد ما كان معنا من الماء والسويق والكعك ، فجعلنا نمشى جياعاً عطاشاً على شط البحر ، حتى وقعنا إلى سلحفاة ، قد رمى بها البحر مثل التُّرس ، فعمدنا إلى حجر كبير فضربنا على ظهر السلحفاة فانفلق ، وإذا فيها مثل صفرة البيض، . فأخذنا من بعض الأصداف الملقى على شط البحر، فجعلنا نغترف من ذلك الأصفر فنتحساه ، حتى سكن الجوع والعطش ، ثم مررنا وتحملنا حتى دخلنا مدينة الراية ، وأوصلنا الكتاب إلى عاملهم فأنزلنا في داره ، وأحسن إلينا ، وكان يقدم إلينا كل يوم القرع ، ويقول لخادم :: هات لهم اليقطين  المبارك ، فيقدم إلينا ذلك اليقطين من الخبز أياماً . فقال واحد منا بالفارسية : " ألا تدعو باللحم المشئوم.، وجعل يُسمع صاحب الدار..
    فقال : أنا أحسن الفارسية ، فإن جدتي كانت هروية. ، فأتانا بعد ذلك باللحم ، ثم خرجنا من هناك ، وزودنا إلى أن بلغنا مصر " أهـ
    أيها المتفقه ..
    يا لها من رحلة الأهوال !! فمتى تنفض عنك تنكب الأطفال ؟! متى تُشهر سيفك وتنزل حلبة النِّزال ؟ لماذا لا تلحق بركب هؤلاء الرجال ؟ يا هذا أما ينفك عنك  زمان الأحلام والآمال !! متى ترعوي بمشي الأيام في الآجال ؟ تقول : من ذا ؟! وأقول : الرجال . تقول : كيف ونحن في …!! وأقول : بعون ذي الجلال .
    إشارات من واقعنا وواقع سلفنا .
    ولابد وقد مرَّ الحديث بخبر " الرحلة " عند سلفنا من إشارات نقف عندها لتستفيد بها ـ أيها المتفقه ـ فمن ذلك :
    1) أنْ تبصر كم من الأوقات والأعمار قضاها هؤلاء في طلب العلم ، بعيدين عن الأهل والولد ، والزوجة والبلد ، متفرغين للطلب .
    وقارن هذا الحال وصنيع المتعالمين في هذا الزمان ممّن ينتسبون إلى العلم ، وجلُّ اهتمامهم التصدر والعلو ، فلا ينبت لهم زرع نافع .
    فمنْ لا يعاني ذلَّ التعلم ، ويقضي الأعوام في رعاية بذره فلن يحصد ، ومن هنا كره كثير من السلف التصنيف قبل الأربعين ، بل لم يُفتوا إلا في سن متأخرة ، حفظًا للعلم من أن ينتهك حرمته من ليس له بأهل .
    2) مدى تحملهم للصعاب ، من فقر وشظف العيش ، وصعوبة وسائل السفر، وانظر لتقاعس أبناء عصرنا عن الارتحال ولو بالسيارات التي عادت الآن أسوأ سبل السفر في ظل وجود الطائرات بأنواعها المختلفة ، لتدرك علو هممهم في الصبر والتّحمل ، وتعلم غلاء العلم لديهم وعلى قلوبهم ، إذ ركبوا في تحصيله الصعب والذلول ، وقطعوا البراري والقفار ، وامتطوا من أجله المخاطر والبحار، ولقوا ما لقوا من الشدائد والأهوال ما الله به عليم ، وحسبك من ذلك قصة الإمام أبي حاتم التي مرَّ ذكرها عليك .
    3) صقل تلك المعاناة لنفوسهم ، فعزَّ العلم عندهم ، ورعوه حق رعايته ، ولذلك خرجوا أئمة أحبارًا في كل علم من العلوم ، ولم يجدْ الزمان بأمثالهم ، لمَّا لم يستنَّ النَّاس بسننهم .
    انظر لحال طلبة العلم في عصرنا ممَّن يدرسون دراسة أكاديمية أو من دونهم ، يقول الشيخ عبد الفتاح أبو غدة ـ رحمه  الله ـ :
    " فوازن ـ رعاك الله ـ بين الدراسة التي أثمرتها هذه الرحلات التي عركت الطلاب الراحلين عركًا طويلاً ، وبين دراسة طلاب جامعاتنا اليوم ! يدرسون فيها أربع سنوات ، وأغلبهم يدرسون دراسة صحفية فردية ، لا حضور ولا سماع ، ولا مناقشة ولا اقتناع ، ولا تطاعم في الأخلاق ولا تأسي ، ولا تصحيح لأخطائهم ولا تصويب ولا تشذيب لمسالكهم ، ويتسقطون المباحث المظنونة السؤال من مقرراتهم ( المختصرة ) ثمَّ يسعون إلى تلخيص تلك المقررات ، ثمَّ يسعون إلى إسقاط البحوث غير الهامَّة من المقروءات ، بتلطفهم وتملقهم لبعض الأساتذة ، فيجدون ما يسرهم وإنْ كان يضرهم ، وبذلك يفرحون .
    وبعد ذلك يتعالون بضخامة الألقاب ، مع فراغ الوطاب ، ويوسعون الدعاوي العريضة ، ويجهِّلون العلماء الأصلاء بـآرائهم الهشة البتراء ، وينصرون الأقوال الشاذة لتجانسها مع علمهم وفهمهم ، ويناهضون القواعد المستقرة ، والأصول الراسخة المتوارثة ، ولم يقعدوا مقاعد العلم والعلماء ، ولم يتذوَّقوا بصارة التحصيل عند القدماء ! ولكنهم عند أنفسهم أعلم من السابقين !!
    ويشهد المراقب للحال العلمية اليوم : كثرة متزايدة في الجامعيين والجامعات ، وفقرًا متزايدًا في العلم وأهله ، وضحالة في الفهم والمعرفة ، ونقصًا كبيرًا مشهودًا في العمل بالعلم ! وهذه مصيبة من أدهى المصائب ! والله المرجو أن يُلهم المنوط بهم أمور التعليم في البلاد الإسلامية أن يتبصروا بالأمر ، ويتداركوا هذا الخطر قبل تأصُّله وإزمانه ، واستفحال آثاره .
    يقول : ولا أتحدث طويلاً عن المبتعثين والراحلين اليوم من شبابنا ، إلى بلاد الغرب والشرق من بلاد الكفار والأعداء للإسلام وأهله ، فإنَّ الناجي من براثن مكايدهم الخفية والظاهرة في العقيدة والخلق والتفكير والسلوك قليل ، وكم من أبنائنا وشبابنا من وقع في حبائلهم ، وذهب في سبلهم ، ورضيهم قادة وسادة ، ونزع ـ بالتالي ـ من ديار الإسلام إليهم ، وتوطن بلادهم مسكنًا ودارًا ، واختارهم على أهله أهلاً وجارًا ، وهو يظن بنفسه أنَّه يحسن صنعًا ، نعوذ بالله من الحور بعد الكور ، ومن الكفر بعد الإيمان "
    كيفية علو الهمة
    فإن قلت : كيف علو الهمة في عصرنا ؟ والمعوِّقات قد أحاطت بنا فكيف لنا بعلو الهمة ؟ وإذا وجدت الهمة ولم أُرزق فما الحيلة ؟
    قلت : جوابك حاضر والحمد لله ،  فلا تعجل ، اصطبر وتدبر.
    يقول ابن القيم  : " قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب : إنِّي لا أحمل همَّ الإجابة ولكنْ همَّ الدعاء ، فإذا ألهمت الدعاء فإنَّ الإجابة معه ، وعلى قدر نية العبد وهمته ومراده ورغبته في ذلك يكون توفيقه سبحانه وإعانته ، فالمعونة من الله تنزل علي العباد علي قدر هممهم وثباتهم ورغبتهم ورهبتهم ، والخذلان ينزل عليهم على حسب ذلك ، فالله سبحانه أحكم الحاكمين وأعلم العالمين ، يضع التوفيق في مواضعه اللائقة به ، والخذلان في مواضعه اللائقة به ، هو العليم الحكيم .
    وما أُتي من أُتي إلا من قبل إضاعة الشكر ، وإهمال الافتقار والدعاء ، ولا ظفر من ظفر بمشيئة الله وعونه إلا بقيامه بالشكر ، وصدق الافتقار والدعاء ، وملاك ذلك الصبر ، فإنه من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد ، فإذا قطع الرأس فلا بقاء للجسد " أهـ
    فهذه وصايا لتحصيل علو الهمة وحصول التوفيق :
    1) اشكر نعمة ربك عليك .
    فكم من نعمة وهبها الله لك وأنت لا توافي شكرها ، فلا تصرفها إلى ما خلقت له ، فتمتنع عنك هذه المنن ، كما هو حال الأذكياء وذوي الألباب من النَّاس ممن يُعملون عقولهم فيما لا طائل من ورائه ، ومن النَّاس من وهبه الله نعمة " الحفظ " فتراه لا يصرفها فيما فيه فلاحها من حفظ القرآن والسنَّة ومتون العلم ، ومنهم من وهبه الله ملكة الفهم والتدبر فلا تراه يستخدمها في تدبر آي الذكر الحكيم والنصوص الشرعية وفق منهج سلفنا ، وهكذا تجد النَّاس لا يشكرون الله على نعمائه ، فيمحق الله عنهم تلك النِّعم .
    2) وصدق الافتقار والدعاء .
    كان الرجل من سلفنا الكرام إذا استشكلت عليه مسألة أو غمض عليه أمر من الأمور يسارع بصلاة ركعتين في جوف الليل المظلم يناجي ربه ويسأله أن يبصِّره بالحق ، يقول : اللهم يا معلم إبراهيم علَّمني ، ويا مفهم سليمان فهِّمني ، ويظل هكذا حتى يفتح الله عليه ، ولا مثيل للافتقار في استمطار رحمات الرب تبارك وتعالى ، " إنَّما الصدقات للفقراء والمساكين .." [ التوبة/60 ]
    3) وملاك الأمر في الصبر ، فصبرًا على شدائد الطلب صبرًا
    أيها المتفقه ..
    فلابد لعلو همة من صبر فبدونه ينقطع بك السبيل ، ولا ترجع حتى بخفي حنين، ولعمر الله إنَّ شدائد الطلب لهينة يسيرة ، وهي أحلى على قلوب المخلصين من لذات الدنيا ومباهجها ؛ ولذلك ابن الجوزى يقول : " ولقد كنت في حلاوة طلبي العلم ألقى من الشدائد ما هو عندي أحلى من العسل ؛ لأجل ما أطلب وأرجو،  كنت في زمان الصبا آخذ معي أرغفة يابسة ، فأخرج في طلب الحديث ، وأقعد على نهر عيسى فلا أقدر على أكلها إلا عند الماء. ، فكلما أكلت لقمة شربت عليها ، وعين همتي لا ترى إلا لذة  تحصيل العلم ، فأثمر ذلك عندي أنى عُرفت بكثرة سماعي لحديث الرسول      ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأحوالِه وآدابه ، وأحوال الصحابة  وتابعيهم .أهـ
    أيها المتفقه ـ حبيبي في الله ـ
    لابد لك من خليل موافق لا يفارقك في زمان الطلب ، ألا وهو " الصبر" فإنَّه ملاك ذلك الأمر كله ، فيا أقدام الصبر احملي فقد بقى القليل .
    يقول ابن القيم :  " فإن كان يأجوج الطبع ومأجوج الهوى ، قد كانوا في أرض القلوب فأفسدوا فيها ، فأعينوا الملك بقوة يجعل بينكم وبينهم ردمًا ، أجمعوا له من العزائم ما يشابه زبر الحديد ، ثم تفكروا فيما أسلفتم ؛ ليثور صعد الأسف فلا يحتاج إلى أن يقول لكم : انفخوا ،  شدوا بنيان العزم بهجر المألوفات والعوائد ، وقد استحكم البناء فحينئذ أفرغوا عليه قطر الصبر ، وهكذا بنى الأولياء قبلكم فجاء العدو فما اسطاعوا أن يظهروه وما استطاعوا له نقبا "
    فالصبر خِلٌ لطالب العلم إن فارقه استوحش في البوادي القفار ، وإن لازمه أنس وأدلج ، ولا تستقيم النفوس إلا به إذ طبعها الكسل والمهانة والإخلاد إلى الأرض ، فلا تستقيم إلا بركوب الأهوال وتحمل المشاق ، فإنَّ الله جعل الصبر جوادًا لا يكبو، وصارمًا لا ينبو ، وجندًا لا يهزم ، وحصنًا لا يهدم ، ولا يثلم ، فهو والنصر أخوان شقيقان ، وهو أنصر لصاحبه من الرجال بلا عدة ولا عدد ، ومحله من الظفر محل الرأس من الجسد .
    قال تعالى : " وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون " [ السجدة /24 ]
    قال شيخ الإسلام ابن تيمية : إنَّما تنال الإمامة في الدين بالصبر واليقين .
    والصبر خير لصاحبه ألم يقل الله تعالى : " ولئن صبرتم لهو خير للصابرين "    [ النحل /126]
    والصابر ينال خيري الدنيا والآخرة فقد بشره الله تعالى فقال : " وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنَّا لله وإنا إليه راجعون أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون " [ البقرة /155-157 ]
    قيل للشعبي : من أين لك هذا العلم كله ؟!!
    قال : بنفي الاعتماد ، والسير في البلاد ، وصبر كصبر الحمار ، وبكور كبكور الغراب.
    وهذا خيثمة بن سليمان القرشي ( ت 343هـ ) خرج لسماع الحديث من بلدته فركب البحر ، فإذا بقطاع للطريق يطاردونهم ويأخذون مركبهم .
    يقول خيثمة : ولمَّا ضُربت سكرت ـ يعني أصابته غشية من شدة ألم الضرب ـ ونمت ، فرأيت كأني أنظر إلى الجنة ، وعلى بابها جماعة من الحور العين .
    فقالت إحداهن : يا شقي ، أيش فاتك ؟
    قال الأخرى : أيش فاته ؟ قالت : لو قتل كان في الجنة مع الحور العين .
    قالت لها : لأن يرزقه  الله الشهادة في عز من الإسلام وذل من الشرك خير له ، ثمَّ انتبهت .
    قال : ورأيت كأنَّ من يقول لي : اقرأ " سورة براءة " فقرأت إلى قوله تعالى :    " فسيحوا في الأرض أربعة أشهر " [ التوبة / 2 ] . قال : فعددت من ليلة الرؤيا أربعة أشهر ، ففكَّ الله أسري .


    أيها المتفقه :
    أتراك مضيعًا عمرك سدى إنْ أنفقته في الطلب ؟ أتراك تفوت من الدنيا ما تضن به لأجل العلم ؟ فما تعدل لذات الدنيا ما يجده طالب العلم من النعيم ؟ فالعلم يرفعك أقرب ما تكون إلى رب السماء ، والدنيا تشدك إلى درك البلاء ، فاغتنم وقتك في الطلب قبل حسرة الفوت .
    ورحم الله ابن الجوزي حين يقول : " ومن أنفق عصر الشباب في العلم  ، فإنَّه في زمن الشيخوخة يحمد جني ما غرس ، ويلتذ بتصنيف ما جمع ، ولا يرى ما يفقد من لذات البدن شيئًا بالإضافة إلى ما يناله من لذات العلم ، هذا مع وجود لذاته في الطلب الذي كان تأمَّل به إدراك المطلوب ، وربما كانت تلك الأعمال أطيب مما نيل منها "
    ثمَّ قال : " ولقد تأملت نفسي بالإضافة إلى عشيرتي الذين أنفقوا أعمارهم في اكتساب الدنيا ، وأنفقت زمن الصبوة والشباب في طلب العلم ، فرأيتني لم يفتني مما نالوه إلا ما لو حصل لي ندمت عليه ، ثمَّ تأملت حالي فإذا عيشي في الدنيا أجود من عيشهم ، وجاهي بين الناس أعلى من جاههم ، وما نلته من معرفة العلم لا يقوَّم .
    فقال لي إبليس : ونسيت تعبك وسهرك ؟!
    فقلت له : أيها الجاهل ، تقطيع الأيدي لا وقْع له ـ أي لا يذكر وليس بشيء ـ عند رؤية " يوسف " ، وما طالت طريق أدت إلى صديق " أهـ
    وهذا ـ لعمر الله ـ من الفوائد الجليات لطلب العلم ، ومن صبر ظفر ،  " ومن المعلوم أنَّه لابد لنيل كل مرغوب محبوب من تنازل عن مرغوب محبوب دونه ، والعلم مرغوب سامٍ ، ومحبوب غالٍ ، وشرف رفيع ، ومطلب صعب المسالك ، كثير العقبات ، لا يمكن بلوغه إلا بتنازلات كثيرة ، وتضحيات كبيرة ، في المال ، والوقت ، والراحة ، وأنس الأهل والأصحاب  ، وسائر المتع المشروعة ، ولهذا قيل : العلم لا يعطيك بعضه إلا إذا أعطيته كلك " .

    فيا أيها المتفقه :
    صبرًا على هجر اللذات ، صبرًا على ترك المألوفات والعادات ، صبرًا على مكابدة الصعوبات ، فإنَّ من وراء ذلك بلوغ الغايات .
    قال أسد بن الفرات ـ رحمه الله  ـ : أجهدوا أنفسكم ، وأتعبوا أبدانكم في طلب العلم وتدوينه ، واصبروا على شدته ، فإنكم تنالون به خيري الدنيا والآخرة .
    كان بعضهم لا ينام الليل في مذاكرة العلم ، وإذا نام فعلى فراش القلق من اشتغال الذهن .
    قال محمد بن أبي حاتم ورَّاق الإمام البخاري ـ رحمه الله ـ : كان أبو عبد الله ـ أي البخاري ـ إذا كنت معه في سفر ، يجمعنا بيت واحد إلا في القيظ أحيانًا ، فكنت أراه يقوم في ليلة واحدة خمس عشرة مرة إلى عشرين مرة  ، في كل ذلك يأخذ القدَّاحة ، فيوري نارًا ويسرج ، ثمَّ يخرج أحاديث فيعلم عليها ، ثمَّ يضع رأسه ، وكان يصلي وقت السحر ثلاث عشرة ركعة ، وكان لا يوقظني ، في كل ما يقوم .
    فقلت له : إنَّك تحمل على نفسك ، في كل هذا ولا توقظني .
    قال : أنت شاب ، ولا أحب أن أفسد عليك نومك .
    أيها المتفقه :
    ما عذرك ؟! بماذا تخادع نفسك ؟ حتَّام تركن إلى الدعة والبطالة ؟ تستثقل سويعات تقضيها في المذاكرة والطلب ـ وأنت منعم ـ !! توفرت لك الوسائل وسهِّلت عليك الصعاب وما زلت تخلد إلى الأرض ، ثمَّ تقول : العلم .. العلم  فهيهات هيهات .
    قال يحيى بن محمد بن يحيى الذهلي : دخلت على أبي في الصيف الصائف وقت القائلة ، وهو في بيت كتبه ، وبين يديه السراج ـ لظلمة الحجرة  التي هو فيها في وسط النهار !! ـ
    فقلت : يا أبة ، هذا وقت الصيف ، ودخان هذا السراج بالنهار ـ يضرك ـ ! فلو نفست عن نفسك ؟
    فقال لي : يا بني تقول لي هذا ؟!
    وأنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومع أصحابه والتابعين ؟! "
    أيها المتفقه :
    أين أنت ممن كان يبيت وأثر الحصير في جنبيه ـ صلى الله عليه      وسلم ـ ؟
    أين أنت ممن كانت تتجافى جنوبهم عن المضاجع خوفًا ووجلاً ؟ أين أنت ممن عمروا الليالي بطاعة الله ، فمنعهم العلم من النوم ، ولم يلتفتوا إلى زخرف الدنيا الزائل ، فحفظ الله ذكرهم بين الناس إلى يوم يقوم الأشهاد ؟!!
    هذا الإمام الطبراني الذي ملأ حديثه البلاد  ، وزادت مؤلفاته عن خمس وسبعين مؤلفًا ، فسئل مرةً عن كثرة حديثه .
    فقال : كنت أنام على البواري ـ أي الحصر ـ ثلاثين سنة .
    أيها المتفقه :
    اصبرْ على مضضِ الإِدلاجِ في السحرِ ، وفي الرواحِ إِلى الحاجاتِ والبكرِ، فإنَّه قلَّ من جدَّ في أمرٍ يطلبُهُ فاستصحبَ الصبرَ إِلا فازَ بالظفرِ، فإنَّ للصبرِ عاقبـةً محمودةَ الأثـرِ.
    قال هارون بن موسى : كنَّا نختلف إلى أبي علي ـ القالي ـ البغدادي رحمه  الله ، وقت إملائه " النوادر " بجامه الزهراء ـ في قرطبة ـ ، ونحن في فصل الربيع .
    فبينما أنا ذات يوم في بعض الطريق ، إذ أخذتني سحابة ، فما وصلت إلى مجلسه رحمه الله إلا وقد ابتلت ثيابي كلها ! وحوالي أبي علي أعلام أهل  قرطبة ، فأمرني بالدنو منه ، وقال لي : مهلاً يا أبا نصر ، لا تأسف على ما عرض  لك ، فذا شيء يضمحل عنك بسرعةٍ ، بثياب غيرها تبدلها .
    وقال أبو علي : قد عرض لي ما أبقى بجسمي ندوبًا تدخل معي في قبري !
    ثمَّ قال : كنت أختلف إلى ابن مجاهد ـ رحمه الله ـ ، فأدلجتُ إليه ـ أي ذهبت إليه من آخر الليل قبل الفجر ـ لأتقرب منه .
    فلما انتهيت إلى الدرب الذي كنت أخرج منه إلى مجلسه ن ألفيته مغلقًا وعسُر عليَّ فتحه .
    فقلت : سبحان الله ! أبكر هذا البكور ، وأغلب على القرب منه !!
    فنظرت إلى سرب ـ حفير تحت الأرض ـ بجنب الدار فاقتحمته ، فلمَّا توسطته ضاق بي ، ولم أقدر على الخروج ، ولا على النهوض ، فاقتحمته أشد اقتحام ، حتى نفذت بعد أن تخرقت ثيابي واثَّر السرب في لحمي حتى انكشف عظمي ، ومنَّ الله عليَّ بالخروج ، فوافيت مجلس الشيخ على هذه الحال ، فاين أنت مما عرض لي ؟!! وأنشدنا :
    دببت للمجد والساعون قد بلغوا            جهد النفوس وألقوا دونه الأزرا
      وكابدوا المجد حتى ملَّ أكثرهم            وعانق المجد من أوفى ومن صبرا
      لا تحسب المجد تمرًا أنت آكله            لن تبلغ المجد حتى تلعق الصبرا
    أيها المتفقه :
    وصيتي الجامعة لك قول الله تعالى : " يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون " [ آل عمران /200] فما فلاح في دون تلك الأربع .
    " فاصبر " مع نفسك فألجمها ، واعلم أنَّ هداها في مخالفتها ، فاصب صبر الكرام لا صبر اللئام ، ممن يرغمون على الصبر فيتجرعون مرارته في الآجل    والعاجل .
    " وصابر" عدوك ، وليس عدوك من قاتلك ، بل من الأعداء ما يخفى ، وشر أعدائك نفسك والشيطان والدنيا والهوى ، وشر أعدائك من ضيَّع وقتك ، وشغلك عن مطلبك ، فاهجر خلان الدنيا فإنهم يقتلونك من حيث لا تدري .
    " ورابط " فالثبات حتى الممات شعارك ، وتجهز دائمًا لموعودك ، وأعدَّ عدتك ، وكلما استزدت زودت ، فلا تفتر .
    و" اتقِ الله " فالزم تقوى الله تعالى في السر والعلانية ، فدونها تتهتك الآمال ، وتضيع الأعمار ، ويصبح عملك هباءًا منثورًا .

    4) جمع الهم .
    أيها المتفقه ..
    الوصية الرابعة لعلو الهمَّة " جمع الهم " ، ولا ريب أنَّ طاعة الله تعالى تفتقر إلى " جمع الهم " ، وأنَّ شتات الهم من أكبر المعوقات عن طلب العلم .
    قال صلى الله عليه وسلم : " من جعل الهموم هما واحدا هم المعاد كفاه الله سائر همومه ، ومن تشعبت به الهموم من أحوال الدنيا لم يبال الله في أيِّ أوديتها    هلك  "  .
    ‌قال ابن الجوزي : وقيل لأبى حنيفة : بمَ يستعان على حفظ الفقه ؟  قال : بجمع الهم .
    وقال حماد بن سلمة: بِقلِة الغمِّ .
    وقال مكحول : من نَظَّف ثوبَه قَلَّ همُّه ، ومن طابت ريحُهُ زاد عقلهُ ، ومن جمع بينهما زادت مروءته .
    طالب العلم والزواج
    فلابد لطالب العلم من جمع الهمَّ ، ومن ذلك ألا يشغل ذهنه بالزواج ، لاسيما مع ضيق ذات اليد ، فإنَّه يستتبع من شتات الذهن ما يمنعه عن بلوغ  القصد ، وإلا فلا يُلجأ إليه إلا عند الضرورة ، كأنْ يخشى على نفسه الفتنة ، فيتزوج من باب أخف الضررين .
    قال ابن الجوزي : وأختار للمبتدئ في طلب العلم أن يدافع النكاح مهما أمكن ، فإن أحمد بن حنبل لم يتزوج حتى تمت له أربعون سنة ، وهذا لأجل جمع الهم،  فإن غلب عليه الأمر تزوج واجتهد في المدافعة بالفعل ؛ لتتوفر القوة على إعادة العلم. ، ثم لينظر ما يحفظ من العلم ، فإن العمر عزيز ، والعلم غزير "                                               
    يقول صاحب مختصر منهاج القاصدين قال : " ينبغي لطالب العلم قطع العلائق    الشاغلة ، فإن الفكرة متى توزعت قصرت عن إدراك الحقائق. ، وقد كان السلف يؤثرون العلم على كل شيء .
    فروىَ عن الإمام أحمد ـ رحمه الله ـ أنه لم يتزوج إلا بعد الأربعين. .
    وأهديت إلى أبى بكر الأنباري جارية ، فلما دخلت عليه تفكر في استخراج مسألة فعزبت عنه ، فقال : أخرجوها إلى النخاس ، فقالت : هل من ذنب ؟ قال : لا ، إلا أن قلبي اشتغل بك ، وما قدر مثلك أن يمنعني علمي" .
    يقول ابن الجوزي: " هيهات أن يجتمع الهم مع التلبس بأمور الدنيا ، خصوصًا الشاب الفقير الذي قد أَلِفَ الفقر؛ فإنَّه إذا تزوج وليس له شيء من الدنيا ، اهتم بالكسب ، أو بالطلب من الناس فتشتت همته ، وجاء ه الأولاد فزاد الأمر عليه ، ولا يزال يرخص لنفسه فيما يحصل إلى أن يتلبس بالحرام.، ومن يفكر أنَّه أسير ضرورات لا يجدها فهمته ما يأكل وما يأكله أهله ، وما ترضى به الزوجة من النفقة والكسوة ، وليس له ذلك ، فأي قلب يحضر له ؟ وأيُّ هم يجتمع ؟ هيهات !!
    والله لا يجتمع الهم والعين تنظر إلى الناس ، والسمع يسمع حديثهم ، واللسان يخاطبهم ، والقلب متوزع في تحصيل ما لا بد منه..
    فإن قال قائل : فكيف أصنع ؟!
    قلت :  إن وجدت ما يكفيك من الدنيا ، أو معيشة تكفك فاقنع بها ، وانفرد في خلوة عن الخلق مهما قدرت ، وإن تزوجت فبفقيرة تقنع باليسير ، وتصبر أنت على صورتها وفقرها ، ولا تترك نفسك تطمح إلى من تحتاج إلى فضل نفقته .
    فإن رزقت امرأة صالحة جمعت همك فذاك ، وإن لم تقدر فمعالجة الصبر أصلح لك من المخاطرة .
    وإياك والمستحسنات ، فإن صاحبنهن إذا سلم كعابد صنم ، وإذا حصل بيده شيء فأنفق بعضه ، فبحفظ الباقي تحفظ شتات قلبك..
    واحذر كل الحذر من هذا الزمان وأهلِه ، فما بقى مواسٍ ولا مؤثر ، ولا من يهتم لسد  خلة ، ولا من لو سئل أعطى ، إلا أن يعطى نذراً بتضجر ومنة يستعبد بها المعطى بقية العمر ، ويستثقله كلما رآه ، أو يستدعى بها خدمته  له ، والتردد إليه".
    أسباب شتات الهمَّ
    أيها المتفقه ..
    قال صلى الله عليه وسلم : " من كانت الآخرة همَّه جعل الله غناه في  قلبه ، و جمع له شمله ، وأتته الدنيا وهي راغمة ، ومن كانت الدنيا همَّه جعل الله فقره بين عينيه ، و فرق عليه شمله ، ولم يأته من الدنيا إلا ما قدر له " 
    فإذا أردت جمع همِّك فيكون رضا الله تعالى هو همُّك ، فلابد لك من انتفاء موانع ذلك ، ممَّا يفسد قلبك ، ويشتت همَّك ، ومدار ذلك على اشتغال النَّفس  بالدنيا ، فإذا ألقيتها وصرفت صورتها عن نفسك خلا القلب فيتمكن منه  الإخلاص ، اللهم ارزقنا الإخلاص واجعلنا من أهله .
    يبين لك ابن الجوزي هذا فيقول : " ما رأيت مشتتًا للهم ، مبدداً للقلب مثل شيئين :
    أحدهما : أن تطاع النفس في طلب كل شيء تشتهيه ، وذلك لا يوقف على حد فيه ، فيُذْهِبَ الدينَ والدنيا ، ولا ينال كل المراد .
    مثل أن تكون الهمة في المستحسنات ، أو في جمع المال ، أو في طلب الرياسة ، وما يشبه هذه الأشياء. .
    فياله من شتات لا جامع له ، يذهب العمر ولا ينال بعض المراد منه  .
    والثاني : مخالطة الناس خصوصًا العوام والمشي في الأسواق ، فإنَّ الطبع يتقاضى بالشهوات ، وينسى الرحيل عن الدنيا ، ويحب الكسل عن الطاعة ، والبطالة والغفلة والراحة ، فيثقل على من ألف مخالطة الناس التشاغل بالعلم أو العبادة ، ولا يزال يخالطهم حتى تهون عليه الغيبة وتضيع الساعات في غير شيء .
    فمن أراد اجتماع همه فعليه بالعزلة بحيث لا يسمع صوت أحد ، فحينئذ يخلو القلب بمعارفه ، ولا تجد النفس رفيقاً مثل الهوى يذكرها ما تشتهي .
    فإذا اضطر إلى المخالطة كان على وفاق ، كما تتهوى الضفدع لحظة ثمَّ تعود إلى الماء ، فهذه طريق السلامة ، فتأمل فوائدها تطِبْ لك ".
    همَّة كالثريا وجَدٌ حضيض
    بعض النَّاس يقول لك : أمَّا عن الهمَّة فلا تسأل ، أبيت الليالي لا أنام ، أذاكر الساعات الطوال ، ولكنِّي لا أرزق الثمرة .
    ولسان حاله كقول أبي تمام :
            همَّة تنطح الثريا وجدٌ            آلف للحضيض فهو حضيض
    ويجيبك ابن الجوزي فيقول :
    فالجواب : أنه إذا امتنع الرزق من نوع ، لم يمتنع من نوع آخر ، ثمَّ من البعيد أن يرزقك همَّة ولا يعينك ، فانظر في حالك فلعله أعطاك شيئًا ما شكرته ، أو ابتلاك بشيء من الهوى ما صبرت عنه .
    واعلم أنه ربما زوى عنك من لذات الدنيا كثيراً ؛ ليؤثرك بلذات العلم ، فإنَّك ضعيف ربما لا تقوى على الجمع ، فهو أعلم بما يصلحك " أهـ
    فيا عبد الله فتِّش على أسباب الخلل فتدراكها ، اتهم نيتك ، انظر لنعم الله عليك وقصورك في شكرها ، انظر لابتلاءات الله لك كيف كان صنيعك فيها ، هل صبرت أو جزعت ؟ فإذا حرمت الرزق فبذنبك ، وتذكر دائمًا قول الله تعالى :    " أليس الله بأعلم بالشاكرين " [ الأنعام/53] فربَّما حرمت لأنَّك لن تستطيع شكر هذه النعمة ، فإنَّ الله لا يظلم مثقال ذرة ، والله لا يظلم النَّاس شيئًا ولكنَّ النَّاس أنفسهم يظلمون.
    فعليك يا طالب العلم أن تُجِدَّ في التحصيل ، واصدق الله يصدقك ، فإنه كما قال الجنيد : " ما طلب أحدٌ شيئاً بصدقِ وجدِّ إلا ناله ، فإن لم ينله كلَّه نال بعضه ".
    ولا تلتفت إلى وساوس الشيطان في تهويل كثرة العلم عليك ، فتفتر عن الطلب .
    فقد قال الفضل بن سعيد بن سلم : " كان رجل يطلب العلم فلا يقدر عليه ، فعزم على  تركه ، فمر بماء ينحدر من رأس جبل على صخرة ، قد أثر الماء فيها، فقال : الماء على لطافته قد أثر في صخرة على كثافتها ، ـ والله  ـ لا أدع طلب العلم ، فطلب فأدرك .
    فالعلم يجتمع مع الليالي والأيام ، قيل : اليوم شيءٌ، وغداً مثله، من نُخب العلم التي تلتقط يحصل المرء بها حِكْمتَه ، وإنَّما السيل اجتماع النقط .
    مجمل القول
    أيها المتفقه ـ حبيبي في الله ـ :
    تعال بعد التفصيل أحصي لك ما يعينك على علو الهمة والصبر :
    أولاً : شكر النعمة وإن قلَّت .                ثانيًا :  صدق اللجأ والافتقار إلى الله. .
    ثالثًـا : إدمان الدعاء .                      رابعًا : الصبر والاصطبار.
    خامسًا : مخالفة الهوى .                  سادسًا :  الصبر عن الدنيا.
    سابعًا : جمع الهم..                        ثامنًا :  تأخير الزواج ما أمكن.
    تاسعًا : لا تطع نفسك في كل ما تطلب.      عاشرًا : خذ بحظك من العزلة.


    ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
    المرجع : منطلقات طالب العلم

     


    المشاركة السابقة : المشاركة التالية
    إضافة تعليق سريع
    كاتب المشاركة :
    الموضوع :
    النص : *
     
    TO  cool  dry 
    عربي  mad  ohmy 
    huh  sad  smile 

    طول النص يجب ان يكون
    أقل من : 30000 حرف
    إختبار الطول
    تبقى لك :




    صفحة جديدة 1

    Copyright© 2009 بإستخدام برنامج البوابة العربية 2.2